صديق الحسيني القنوجي البخاري
198
أبجد العلوم
وقصد المحدثون امتحانه فسألوه عن أحاديث قلبوا أسانيدها فقال لا أعرف هذه . ولكن حدثني فلان ثم أتى بجميع تلك الأحاديث على الوضع الصحيح ، ورد كل متن إلى سنده وأقروا له بالإمامة قف . قال ابن خلدون واعلم أيضا أن الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعة والإقلال . فأبو حنيفة رضي اللّه عنه يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها . ومالك رحمه اللّه إنما صح عنده ما في كتاب الموطأ وغايتها ثلاثمائة حديث أو نحوها . وأحمد بن حنبل رحمه اللّه تعالى في مسنده خمسون ألف حديث ولكل ما أدّاه إليه اجتهاده في ذلك . وقد تقول بعض المبغضين المتعسفين إلى أن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث فلهذا قلت روايته ، ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنّة ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وروايته والجد والتشمير في ذلك ليأخذ الدين عن أصول صحيحة ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها ، وإنما قلل منهم من قلل الرواية لأجل المطاعن التي تعترضه فيها والعلل التي تعرض في طرقها سيما والجرح مقدم عند الأكثر فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد ويكثر ذلك فتقل روايته لضعف في الطرق ، هذا مع أن أهل الحجاز أكثر رواية للحديث من أهل العراق لأن المدينة دار الهجرة ومأوى الصحابة ومن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر . والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي وقلت من أجلها روايته فقل حديثه ، لأنه ترك رواية الحديث متعمدا فحاشاه من ذلك ، ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم والتعويل عليه واعتباره ردا وقبولا . وأما غيره من المحدثين وهم الجمهور فتوسعوا في الشروط وكثر حديثهم والكل عن اجتهاد ، وقد توسع أصحابه من بعده في الشروط وكثرت روايتهم .